ابن قيم الجوزية

62

حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح

استحقوا الثمن وعقد معهم هذا العقد وأكده بأنواع من التأكيد ( أحدها ) أخبارهم سبحانه وتعالى بصيغة الخبر المؤكد بأداة أن ( الثاني ) الإخبار بذلك بصيغة المرضى الذي قد وقع وثبت واستقر ( الثالث ) إضافة هذا العقد إلى نفسه سبحانه وأنه هو الذي اشترى هذا المبيع ( الرابع ) أنه أخبر بأنه وعد بتسليم هذا الثمن وعدا لا يخلفه ولا يتركه ( الخامس ) أنه أتى بصيغة على التي للوجوب إعلاما لعباده بأن ذلك حق عليه أحقه هو على نفسه ( السادس ) أنه أكد ذلك بكونه حقا عليه ( السابع ) أنه أخبر عن محل هذا الوعد وأنه في أفضل كتبه المنزلة من السماء وهي التوراة والإنجيل والقرآن ( الثامن ) إعلامه لعباده بصيغة استفهام الإنكار وأنه لا أحد أوفى بعهده منه سبحانه ( التاسع ) أنه سبحانه وتعالى أمرهم أن يستبشروا بهذا العقد ويبشر به بعضهم بعضا بشارة من قد تم له العقد ولزم بحيث لا يثبت فيه خيار ولا يعرض له ما يفسخه ( العاشر ) أنه أخبرهم إخبارا مؤكدا بأن ذلك البيع الذي بايعوه به هو الفوز العظيم والبيع هاهنا بمعنى المبيع الذي أخذوه بهذا الثمن وهو الجنة وقوله بايعتم به أي عاوضتم وثامنتم به ثم ذكر سبحانه أهل هذا العقد الذي وقع العقد وتم لهم دون غيرهم وهم التائبون مما يكره ، العابدون له بما يحب ، الحامدون له على ما يحبون وما يكرهون ، السائحون وفسرت السياحة بالصيام وفسرت بالسفر في طلب العلم وفسرت بالجهاد وفسرت بدوام الطاعة . والتحقيق فيها أنها سياحة القلب في ذكر اللّه ومحبته والإنابة إليه والشوق إلى لقائه ويترتب عليها كل ما ذكر من الأفعال ولذلك وصف اللّه سبحانه نساء النبي صلى اللّه عليه وسلم اللاتي لو طلق أزواجه بدله بهن بأنهن سائحات وليست سياحتهن جهادا ولا سفرا في طلب علم ولا إدامة صيام ، وإنما هي سياحة قلوبهن في محبة اللّه تعالى وخشيته والإنابة إليه وذكره . وتأمل كيف جعل اللّه سبحانه التوبة والعبادة قرينتين هذه ترك ما يكره وهذه فعل ما يحب ، والحمد والسياحة قرينتين هذا الثناء عليه بأوصاف كماله ، وسياحة اللسان في أفضل ذكره وهذه سياحة القلب في حبه وذكره وإجلاله ، كما جعل سبحانه العبادة والسياحة قرينتين في صفة الأزواج فهذه عبادة البدن وهذه عبادة القلب وجعل الإسلام والإيمان قرينين فهذا علانية وهذا في القلب كما في المسند عنه صلى اللّه عليه وسلم « الإسلام علانية ، والإيمان في القلب » وجعل القنوت والتوبة قرينين هذا فعل ما يحب وهذا ترك ما يكره . وجعل الثيوبة والبكارة قرينتين فهذه قد وطئت وارتاضت وذللت صعوبتها . وهذه روضة أنف لم يرتع فيها بعد ، وجعل الركوع